محمود سالم محمد
315
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
بيد أن معظم قصائد المدح النبوي جاءت قريبة من النمط العربي المعروف ، وكانت أقرب إلى المحافظة ، فشعراء المديح النبوي نظموا قصائدهم وعيونهم على غرر الشعر العربي في العصور التي سبقتهم ، ولذلك نجد المبرزين في فن المدائح النبوية مثل الصرصري ينظمون مدائحهم النبوية على غرار القصائد القديمة في شكلها وصياغتها ، فالصرصري لا يكاد يخرج عن النهج التقليدي في مدائحه النبوية ، ويظهر استعدادا كبيرا لمتابعة الشعراء الذين سبقوه ، ويبدو أنه أهّل نفسه لمثل هذا الشعر ، فقيل « إنه كان يحفظ صحاح الجوهري بكاملها » « 1 » . ويجاريه البوصيري في هذه الميزة ، بالإضافة إلى أن كليهما يظهران معرفة واسعة بالشعر العربي القديم ، وباللغة العربية وألفاظها ، ويملكان موهبة شعرية فياضة ، جعلتهما يخضعان الروايات والأحاديث للشعر وروائه . ويلاحظ في المديح النبوي أيضا إطالة الشعراء لمدائحهم ، فكثرت القصائد التي تتجاوز المئة والمئتين وتصل في بعض الأحيان إلى مئات الأبيات مثل نونية الصرصري التي وصلت إلى ثماني مئة وخمسين بيتا ، بيد أن هذه القصائد الطويلة ، لم يسلم معظمها للشاعرية ، فاقتربت كثيرا من المنظومات التعليمية . إلا أننا لو قارنا مجموع شعر المديح النبوي مع غيره من الفنون الشعرية في ذلك العصر ، لوجدنا أن شعر المديح النبوي تميّز عن غيره بالقوة والجزالة وجودة السبك وحسن الأداء ، والابتعاد عن الضعف الذي اتسع في بقية الفنون الآخرى . والذي جعل شعراء المديح النبوي يميلون في مديحهم إلى الأشكال الشعرية الآخرى مثل الموشح أو الزجل أو تشطير القصائد وتخميسها وغير ذلك من التغييرات التي أجروها على القصيدة ، هو مسايرة للاتساع في مجالس الذكر والإنشاد ، والبحث عن الشكل الحافل بالإيقاع ، ليتلاءم مع الإنشاد في هذه المجالس والاحتفالات الدينية .
--> ( 1 ) القنوشي : التاج المكلل ص 247 .